المناظرة التى هدمت الإلحاد...
هذا سرد استثنائي هزّ الحرم الجامعي في إحدى جامعات كوريا الجنوبية، حيث تحوّل نقاش بسيط داخل قاعة الدراسة إلى شيء لا يُنسى. إنها قصة ليست مجرد معركة كلمات، بل تتعلق بالشجاعة والإيمان وقوة الدفاع عن الحق.
ولكن إخوتي، كالعـادة، خير ما نبدأ به قصتنا هو ذكر الله والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
في واحدة من أرقى الجامعات في سيول، تُعدّ النقاشات حول الحياة والوجود والمعتقدات أمرًا شائعًا، خاصة في صف الفلسفة الذي يدرسه الدكتور أندرو بينت، الأستاذ البالغ من العمر خمسين عامًا، المعروف بذكائه الحاد وآرائه الناقدة للدين، والذي لم يُهزم في النقاشات لعقود، خاصة عند التطرق إلى موضوع الإله.
كان كثير من الطلاب يعجبون بعبقريته، بينما كان آخرون يشعرون بعدم الارتياح من سهولة رفضه لقضايا الإيمان.
تميّز الدكتور أندرو بأسلوب تدريس فريد؛ إذ كان يحب إثارة النقاشات العميقة بطرح أسئلة جريئة تتحدى معتقدات طلابه.
كان يرى الدين مجرد صنع بشري ووهمًا يلجأ إليه الناس للراحة في عالم مليء بالشكوك. وبينما انبهر بعض الطلاب بمنطقه، كان آخرون يشعرون بالضيق من استهزائه المستمر بالإيمان.
وفي ذلك الصف كانت تجلس عائشة، طالبة مستجدة تبلغ من العمر 18 عامًا. كانت هادئة، متحفظة، وغالبًا لا يلاحظها زملاؤها، لكن كان في شخصيتها أكثر مما يبدو على السطح.
اعتنقت الإسلام في سن السادسة عشرة وكرّست نفسها منذ ذلك الحين لدراسة القرآن والفلسفة الإسلامية. ورغم إيمانها القوي، لم تكن تعبّر عنه كثيرًا في الصف، مدركة البيئة النقدية التي تحيط بها.
ذلك اليوم كان الجو داخل القاعة مختلفًا. شعر الجميع أن الدكتور أندرو بينت يحضّر لإحدى نظرياته المعتادة التي تدفع بالمنطق والمعتقد إلى أقصى الحدود.
وقف في مقدمة القاعة ومسح الطلاب بنظراته قبل أن يطرح سؤاله:
"إذا كان الله موجودًا حقًا، فلماذا يمتلئ العالم بكل هذا الشر والمعاناة؟ وإذا كان قادرًا على كل شيء، فلماذا لا يمنع ذلك؟ وإذا كان حكيمًا، فلماذا يعيش كثير من المتدينين في جهل؟"
ساد الصمت القاعة تمامًا. تبادل الطلاب نظرات متوترة، مدركين أن من يجرؤ على الرد سيكون في مواجهة حجج الدكتور بينت التي لم ينجح أحد في دحضها لسنوات.
لكن حدث شيء غير متوقع؛ رفعت عائشة يدها.
استدار الجميع نحوها بدهشة. لم يكن أحد يتوقع أن تبادر الفتاة الهادئة بالحديث. حتى الدكتور بينت بدا متفاجئًا ورفع حاجبيه باهتمام خفيف، وقال بابتسامة باهتة:
"حسنًا يا عائشة، أنا متشوق لسماع إجابتك."
أخذت عائشة نفسًا عميقًا شاعرة بثقل اللحظة. كانت تدرك أن الأمر لم يكن مجرد إجابة عن سؤال، بل موقفًا للدفاع عن إيمانها.
كان صوتها هادئًا لكن ثابتًا وهي تبدأ حديثها:
"أستاذ، قبل أن أجيب عن سؤالك... هل يمكنني أن أسألك شيئًا أولًا؟"
ازداد التوتر في القاعة، ومال الطلاب للأمام بترقّب.
رد الدكتور بينت بثقة، عاقدًا ذراعيه:"بالطبع، تفضّلي."
تابعت عائشة:
"هل تؤمن بأن البشر يمتلكون العقل والحرية لاتخاذ قراراتهم؟"
ابتسم الدكتور بينت بسخرية، معتقدًا أن السؤال بسيط جدًا، وأجاب:
"بطبيعة الحال. الفلسفة الإنسانية تقوم على فكرة أن لدينا العقل والإرادة الحرة لاتخاذ قراراتنا."
أومأت عائشة بتفكّر، ثم قالت:
"إذًا، إذا اختار شخص أن يرتكب جريمة كإيذاء إنسان آخر، فهل نلوم النظام القانوني على أفعاله، أم نلوم الشخص نفسه؟"
رد الدكتور بينت دون تردد:
"نلوم الشخص. فالنظام القانوني يوفر الإرشاد، لكن في النهاية القرار يعود للإنسان نفسه في اتباعه أو مخالفته."
ظلت عائشة هادئة، ثم قالت:
"إذًا... لماذا عندما يحدث الشر والمعاناة في العالم نلوم الله بدلًا من أن نلوم الذين يختارون فعل الخطأ؟"
ساد الصمت القاعة بالكامل.
تردد صدى سؤالها البسيط لكن العميق، ولأول مرة بدا الدكتور بينت متفاجئًا، وبدأت ابتسامته الواثقة تتلاشى.
نظر الطلاب إلى عائشة بدهشة، مدركين أن أبسط الأسئلة يمكن أن تكشف أعظم الحقائق.
توقف الدكتور بينت لحظة، وبدت ثقته المعتادة مهتزّة قليلًا، لكنه قال:
"مثير للاهتمام… لكن حجتك بسيطة جدًا. إذا كان الله قادرًا على كل شيء، فلماذا خلق نظامًا يسمح للبشر بارتكاب الجرائم؟"
ظلت عائشة هادئة وقالت:
"أستاذ… أنت قلت إن البشر لديهم عقل وحرية اختيار. والله منحنا العقل، لكننا نحن من نحدد طريقنا.
إذا كان كل شيء في هذا العالم مفروضًا عليه أن يكون خيرًا، فهل سيظل يُسمّى خيرًا؟
وبدون الشر… كيف نفهم القيمة الحقيقية للخير؟"
ساد الصمت في القاعة.
بدأ بعض الطلاب يدونون ملاحظاتهم، مدركين أن الأمر لم يعد مجرد مناظرة، بل درسًا حقيقيًا.
لكن الدكتور أندرو بينت لم يكن مستعدًا للاستسلام. فقال:
"لنفرض أن البشر أحرار… ماذا عن الكوارث الطبيعية؟ الزلازل، التسونامي، الأمراض… هذه ليست من صنع البشر. فلماذا يسمح الله بها؟"
هنا بدأ الطلاب يظنون أنه وجد ثغرة في منطق عائشة، لكنها لم تهتز.
نظرت إليه وقالت:
"أستاذ… هل سمعت من قبل عن طبيب يصف دواءً مُرًا لمريض؟"
قطب حاجبيه وقال:
"بالطبع."
قالت:
"ولماذا يعطي الطبيب دواءً مرًا؟ هل هو لإيذاء المريض؟"
ضحك الدكتور وقال:
"لا، لكنه يساعد في الشفاء رغم طعمه السيء."
ابتسمت عائشة:
"بالضبط. وهكذا هو الأمر مع المعاناة في الحياة. فهي ليست لإيذائنا، بل لتعليمنا."
ساد الصمت في القاعة مجددًا، لكن هذه المرة كان أعمق. بعض الطلاب الذين كانوا يؤيدون الدكتور بينت سابقًا بدأوا ينظرون إلى عائشة بإعجاب، وكأنهم يرون الأمور من منظور جديد.
لكن الدكتور بينت لم يكن مستعدًا للاستسلام بسهولة. طوى ذراعيه، وانحنى قليلًا للأمام قبل أن يتابع:
"حسنًا… لنقل إن الله يمنح البشر الحرية. لكن ماذا عن الكوارث الطبيعية؟ الزلازل، أمواج تسونامي، الأمراض… هذه ليست من صنع البشر. فلماذا يسمح الله بمثل هذا العذاب؟"
أومأ بعض الطلاب مجددًا، معتقدين أن الدكتور بينت قد وجد أخيرًا ثغرة في منطق عائشة، لكنها ظلت هادئة.
نظرت إلى الأستاذ وسألته:
"أستاذ… هل سمعت من قبل عن طبيب يصف دواءً مرًا لمريض؟"
قطب الدكتور حاجبيه وقال:
"بالطبع."
تابعت:
"ولماذا يعطي الطبيب دواءً مرًّا؟ هل هو لإيذاء المريض؟"
ضحك الدكتور بخفة وقال:
"لا، لأنه رغم طعمه السيء، إلا أنه يساعد في شفاء المرض."
ابتسمت عائشة وقالت:
"بالضبط. وهكذا هو الأمر مع المعاناة في الحياة… فهي ليست لإيذائنا، بل لتعليمنا. الكوارث الطبيعية رغم أنها مؤلمة، إلا أنها تبرز فينا التضامن والصبر والقدرة على التحمل.
إنها ليست عقوبات، بل دروس. تمامًا كما يساعد الدواء المرّ في الشفاء، فإن المعاناة قد تساعدنا على النمو."
ساد الصمت في القاعة مجددًا، لكن هذه المرة كان أعمق.
حتى الذين لم يكونوا مهتمين أصبحوا ينصتون بتركيز.
لكن الدكتور أندرو بينت لم يكن قد انتهى بعد. ابتسم ابتسامة ساخرة قليلًا قبل أن يقول:
"إجابتك مثيرة للاهتمام يا عائشة… لكنها لا تزال لا تجيب عن السؤال الأساسي:
إذا كان الله موجودًا، وهو كامل الصفات… فلماذا لم يخلق عالمًا مثاليًا بلا معاناة؟ بلا شر؟ بلا كوارث؟"
نظرت عائشة إليه مباشرة وسألته:
"أستاذ… هل قرأت كتابًا من قبل؟"
ضحك الدكتور وقال:
"بالطبع."
ابتسمت وسألته:
"هل تُفضّل الكتب التي يكون كل شيء فيها مثاليًا؟ أم التي يواجه فيها الأبطال التحديات والصراعات؟"
توقف الدكتور لحظة، مدركًا إلى أين تريد أن تصل. ثم قال:
"حسنًا… الكتب التي تحتوي على صراعات تكون أكثر إثارة بالطبع."
قالت عائشة بابتسامة:
"وهكذا هي الحياة. لو لم تكن فيها تحديات وصعوبات، لما كان هناك أي تطور أو قوة أو معنى. كما أن الكاتب يشكّل قصته بتقلباتها، فإن الله خلق الحياة باختبارات… لنبحث عن الهدف، ونبني شخصياتنا، ونكتشف المعنى الحقيقي لوجودنا."
ساد الصمت التام في القاعة.
حتى الطلاب الذين كانوا غير مهتمين في البداية أصبحوا ينصتون بانتباه تام.
أما الدكتور بينت، فبدا مضطربًا قليلًا للمرة الأولى، لكنه لم يكن قد انتهى بعد. فقال بصوت أكثر حدّة:
"إذن أنتِ تقولين إن كل هذه المعاناة ليست سوى جزء من قصة كتبها الله؟"
هزّت عائشة رأسها وقالت:
"ليست مجرد قصة يا أستاذ… بل اختبار. اختبار ليرى من يبحث عن الحقيقة، ومن يظل صالحًا رغم المصاعب، ومن يتمسك بإيمانه رغم الشكوك."
مال الدكتور بينت إلى الخلف، متأثرًا بكلماتها… لكنه ظل مصممًا، ثم قال:
"حسنًا… أجيبي عن هذا السؤال:
إذا كان الله موجودًا فعلًا، فلماذا يرفض الكثير من الناس الإيمان به؟"
حبس الجميع أنفاسهم. حتى الدكتور بينت نفسه بدا متشوقًا لسماع ردها رغم محاولته إخفاء ذلك.
توقفت عائشة لحظة، ثم أجابت بهدوء:
"أستاذ… هذا سؤال جيد. لكن اسمح لي أن أسألك شيئًا مشابهًا:
لماذا يستمر الكثير من الناس في التدخين رغم أنهم يعلمون أنه يدمر صحتهم؟"
تردد الدكتور قليلًا، ثم قال:
"لأن لديهم إرادة حرة… يختارون تجاهل المخاطر من أجل متعة لحظية."
أومأت عائشة وقالت:
"بالضبط.
الإيمان يعمل بالطريقة نفسها. الحقيقة تكون واضحة أمامنا، لكن البعض يختار تجاهلها لأن العيش بدون قيود يبدو أسهل.
بعض الناس يرفضون الله لأنهم تعرضوا للأذى ويشعرون بالغضب…
بينما آخرون لا يكلفون أنفسهم عناء البحث العميق.
الأمر لا يتعلق بغياب الحقيقة… بل بالخيار بين قبولها أو تجاهلها."
ساد الصمت في القاعة مجددًا.
وبدأ الطلاب يتبادلون النظرات…
كانوا يسمعون شيئًا عميقًا.
حتى الدكتور بينت رغم تأثره الواضح حاول أن يحافظ على هدوئه، ثم قال:
"إذًا أنتِ تقولين إن الكفر مجرد اختيار؟"
نظرت عائشة إليه بثقة وقالت:
"نعم يا أستاذ… كما نختار أفعالنا يوميًا، نختار أيضًا إن كنا سنبحث عن الحقيقة ونؤمن بها أم لا."
ابتسم الدكتور بسخرية خفيفة وقال:
"إذا كان الله موجودًا، فلماذا لا يظهر نفسه للبشر مباشرة؟ لماذا يترك الناس يتخبطون في الظلام؟"
نظرت إليه عائشة بهدوء، ثم قالت:
"أستاذ… هل وقعت في الحب من قبل؟"
تفاجأ الدكتور من السؤال، وعقد حاجبيه.
لم يكن يتوقع هذا الاتجاه.
قال:
"ماذا تقصدين؟"
ابتسمت عائشة ابتسامة خفيفة وقالت:
"عندما يقع شخص في الحب… هل يجب أن يرى شريكه في كل لحظة ليعلم أن الحب حقيقي؟
أم أنه يستطيع أن يشعر به حتى عندما لا يراه دائمًا؟"
صمت الدكتور، يحدق فيها بنظرة أعمق.
فقالت عائشة:
"الله موجود في كل شيء… نشعر به في كل معجزة صغيرة في الحياة.
ليس عليه أن يظهر نفسه مباشرة… لأن العلامات واضحة لمن يريد أن يراها.
تمامًا مثل الحب… لا يجب أن يكون مرئيًا دائمًا ليكون محسوسًا."
تحدث أحد الطلاب فجأة من الصف الأمامي وقال:
"لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل… لكنه منطقي."
أومأ بعض الطلاب الآخرين موافقين، حتى المشككون بدأوا ينظرون إلى عائشة بطريقة مختلفة.
لكن الدكتور لم يستسلم بعد.....وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يسأل بصوت أشد:
"وماذا عن المعاناة غير المبررة؟ ماذا عن الأطفال الذين يولدون في الفقر؟ أولئك الذين يعانون منذ ولادتهم دون خيار؟....أين الله في كل ذلك؟"
ساد الصمت.
بعض الطلاب خفّضوا رؤوسهم.
لم تجب عائشة فورًا… بل نظرت إليه بنظرة أكثر لطفًا وعمقًا ثم قالت:
"أستاذ… هل سمعت من قبل عن هيلين كيلر؟"
قال الدكتور:"بالطبع. امرأة عمياء وصماء أصبحت كاتبة مشهورة."
قالت عائشة:"نعم. وُلدت بإعاقة يراها البعض لعنة… لكن هل تعلم ماذا قالت عن معاناتها؟"
صمت الدكتور.
فقالت عائشة: *الشخصية لا يمكن أن تتطور في الرفاهية والهدوء فقط…
فمن خلال التحديات والمعاناة تصبح الروح أقوى، والطموح أعمق، والنجاح أعظم.*
لم تلُم هيلين الله على إعاقتها… بل استخدمتها لإلهام الملايين."
نظر بعض الطلاب إليها بدهشة.
وهمس أحدهم:"لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل… ربما نحن نتسرع في إلقاء اللوم."
لكن الدكتور عاد بسؤال أقوى، وبحدة أكبر:"ليس الجميع أقوياء مثل هيلين كيلر! كثيرون يسقطون في اليأس… هل تقولين إن هذا جزء من خطة الله أيضًا؟"
أخذت عائشة نفسًا عميقًا وقالت:"أستاذ… ماذا يحدث عندما يكون طائر لا يزال في قشرته؟"
قال الدكتور مستغربًا:"ماذا تقصدين؟"
قالت: إذا قام أحد بفتح القشرة من الخارج بالقوة… ماذا سيحدث للطائر؟"
توقف الدكتور لحظة، ثم قال:
"لن يكون قويًا بما يكفي… ولن ينجو. لأنه لم يحصل على فرصة لتقوية نفسه."
ابتسمت عائشة ابتسامة رقيقة وقالت: "وهكذا نحن البشر" لو لم تكن في الحياة تحديات أو معاناة… لما نمونا فكل صعوبة تقوينا.
صحيح أن ليس الجميع يستطيعون تجاوزها بسهولة… لكن هذا لا يعني أن الله غير موجود.
بل يعني أن علينا أن نستخدم عقولنا وقلوبنا وقوتنا، ليس فقط لأنفسنا، بل لمساعدة الآخرين أيضًا."
ساد الصمت.
حتى الدكتور بدا متأثرًا…ولكنه لم يستسلم وقال بصوت مليء بالتحدي:
"إذن يا عائشة… إذا كان الله موجودًا وعادلاً ومحبًا… فلماذا يسمح لأشخاص مثلي بالبقاء؟"
ابتسمت عائشة برفق وقالت:"ربما لأنه لا يزال يعطيك وقتًا… لتجد الحقيقة" ، هذه الجملة ضربته في أعماقه.
وبينما ينظر إلى المطر على النافذة، قال بصوت هادئ:"قلتِ إن الله يعطيني وقتًا لأجد الحقيقة… لكن ماذا لو كنت قد بحثت طوال حياتي ولم أجدها؟"
قالت عائشة بابتسامة لطيفة:"أستاذ… ربما كنت تبحث كما يبحث شخص عن نظارته وهي على رأسه ،
ربما كنت منشغلًا بالبحث عن دليل استثنائي… لدرجة أنك غفلت عن العلامات التي تحيط بك في كل مكان."
ساد هدوء غريب في القاعة، وكأن الجميع كانوا ينتظرون ما سيقوله الدكتور بينت بعد كلمات عائشة الأخيرة.
نظر إلى الأرض للحظة، ثم رفع رأسه ببطء وقال بصوت منخفض:"تقولين… إنني كنت أبحث بالطريقة الخاطئة؟"
أجابته عائشة بهدوء:"ليس بالطريقة الخاطئة يا أستاذ… بل بالطريقة الأصعب ،أحيانًا نضع شروطًا معقدة لرؤية الحقيقة، بينما هي أبسط بكثير ،مثل شخص يصرّ على رؤية النجوم في وضح النهار."
تردد الدكتور قليلًا، ثم قال:
"ولكن… كيف أعرف أنني وجدت الحقيقة فعلًا؟ كيف يمكنني أن أميز بين الإيمان الحقيقي والوهم؟"
قالت عائشة:
"عندما تجد شيئًا يملأ قلبك بالسلام… ويجيب على أسئلتك دون أن يترك بداخلك فراغًا…
عندما تجد نظامًا متكاملًا للحياة والعقل والروح… وحين تشعر أن هناك خالقًا يستجيب لك عندما تتحدث إليه…
عندها ستعرف."
ساد الصمت مجددًا، لكنه هذه المرة كان مختلفًا.
لم يكن صمت شك… بل كان صمت تفكير.
رفع أحد الطلاب يده وقال:
"أستاذ… هل تعتقد أن عائشة قد قدمت إجابات لم تفكر فيها من قبل؟"
ابتسم الدكتور بينت ابتسامة صغيرة، امتزج فيها الإرهاق بالدهشة، وقال:"نعم…ربما… لم أفكر في بعضها بهذه الطريقة."نظر إلى عائشة مباشرة وسأل:"وماذا لو أردت البدء في البحث من جديد؟ من أين أبدأ؟"
قالت عائشة بابتسامة واسعة:"ابدأ من داخلك يا أستاذ ،ابدأ بسؤال واحد:*هل أريد حقًا أن أعرف؟*
لأن من يريد الحقيقة بصدق… سيصل إليها مهما كانت الطريق طويلة."
تنهد الدكتور بعمق، وكأنه تخلص من حمل ثقيل كان فوق صدره لسنوات ...ثم قال بصوت هادئ:
"ولماذا… تعتقدين أن الله يريدني أن أؤمن به الآن؟ بعد كل هذه السنوات؟"
ابتسمت وقالت: "لأن الله لا ييأس من عباده.
ولأن كل يوم يُمنح لنا هو فرصة جديدة…وربما… لأنك اليوم سمعت شيئًا كان يجب أن تسمعه في هذا الوقت بالذات."
تأمل الدكتور كلماتها طويلًا… ثم قال:"ربما… ربما تكونين على حق."
همس أحد الطلاب لزميله: "دي أول مرة أشوف الدكتور بينت بالشكل ده."
وقال آخر:"الكلام لمس قلبه فعلًا."
وقف الدكتور بينت فجأة، ونظر إلى القاعة كلها قبل أن يقول بصوت مسموع:"أعتقد… أنني بحاجة إلى وقت لأفكر…
شكراً لكِ يا عائشة."ثم حمل كتبه وغادر القاعة ببطء، بخطوات أقل صرامة مما اعتاد عليه الطلاب.
أما الطلاب فظلوا ينظرون إلى عائشة بدهشة واحترام، وكأنهم شاهدوا شيئًا غير مألوف يحدث أمامهم.
اقتربت منها إحدى الطالبات وقالت:"عائشة… كلامك لمسنا كلنا....هل تعتقدين أن الدكتور قد يؤمن يومًا ما؟"
ابتسمت عائشة بثقة وقالت:"الله يهدي من يشاء…والقلوب بين يديه....والبداية دائمًا… تكون بسؤال."
ثم حملت حقيبتها، وغادرت القاعة بهدوء…بينما بقي الطلاب يتحدثون عن الحوار الذي لن ينسوه طوال حياتهم.
وفي الخارج…
كان المطر قد توقف، لكن الأثر الذي تركته كلماتها… كان لا يزال ينهمر في القلوب....
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾
================================================================